لنقتل الخيال

كان يجلس فى غرفته المظلمه مشعلا شمعه وينظر الى ظله على الحائط ، كان يحدثه عن كل الأشياء الذى مر بها فى يومه ،كان يبتسم برضى ، وفى بعض الأحيان كان يضحك وظله يضحك معه. وهذا ليس بالامر الغريب فكان صديقنا يجلس برفقه ظله كل يوم تقريبا ليحكى له عن كل شئ ، عن عمله ، عن هذه الفتاه شديدة الجمال ، عن خجله ، مخاوفه ، واحلامه. كانت تجمعهم علاقة صداقة حقيقية ، ولكن اليوم ،وفى وسط حديثهم المعتاد، توقف صديقنا للحظات، ثم قال لظله بحماس( هيا بنا امامنا مغامره لنخوضها) ، وارتدى صديقنا ملابسه المعتادة ،وترك منزله مسرعا يلاحقه ظله، وعندما وصلوا الى الشارع تسكعه فى تمهل وهم يتأمله الطرقات ، والمنازل ، والسماء ، حتى وصله فى النهاية الى طريق ذو اتجاه واحد تملؤه السيارات فاضطر ان يشرح صديقنا لظله بان الطريق لا يسعهم هم الاثنين ويجب على احدهم ان يكون تحت الإطارات ولانه مجرد ظل يجب ان يقوم هو بهذه التضحية ، ووافق الظل، ومشى بجانب صديقه تدهسه الاطارات، يتألم، ولكن فى صمت، ووفاء، لصديقه وعندما وصله لنهاية هذا الطريق ، بدء صديقنا فى الجرى لم يفهم الظل فى الاول الامر ماذا يحدث، ولكنه لحق بصديقة وجرى وراءه، سبقه فى بعض الاوقات، وفي اوقات اخرى عانى ليلحق به ، ولكن الغريب فى الأمر ان صديقنا كان يجرى بجنون وهسيتريا تجعلك تشعر بانه يريد الهرب من ظله، ولكن ظله لم يلاحظ ذلك الامر وجرى معه بسذاجة وباقصي سرعته ليلحق به ، حتى توقف صديقنا فى النهاية امام مبنى شاهق الارتفاع ، وعرض على الظل فكرته بأنه من الممتع ان يتسلقه هذا المبنى وبالفعل تسلق صديقنا وظله المبنى ، ووقفوا للحظات ينظره الى العالم من اسفل قدميهم ، وبعدها تسلق صديقنا سور المبنى وقف علية (كان يفصله عن الموت خطوه) ثم اقترح على ظله مجددا فكره (سيكون شئ اكثر متعه اذا قفذنا) تردد الظل للحظات ولكنه وافق فى النهاية وهو واثق بأن صديقه سيلحقه الى اى مكان ،و قفز الظل ، ولكن توقف صديقنا فى اخر لحظه وترك الظل يسقط وحيدا ، ووقف يشاهده من اعلى، وهو يسقط، مرتطضما بالأرض، مشكلا بقعه سوداء عميقة.
هل يمكن للإنسان ان يقتل ظله ؟ نعم ، ويمكنه ان يفعل اشياء اشد حماقه بكثير. بكى صديقنا على موت ظله ،فهو يحبه ، ولكنه تمالك نفسه وتوقف على البكاء بعد مده ، كان يجب علية ان يضحي بظله ، فهو يعيش فى عالم بدون ظلال ، لا يملك فية أحدا ظلا مثله ، فهو الأخير والوحيد فى هذا العالم الذى يملك ظلا ، وكان هذا يجعله غريبا عن العالم ، كان لا احد يتقبله ، كانهم يخفونه ، يرونه فقط علي أساس انه المجنون الذى يصاحب ظله. فرأى صديقنا ان ظله يعوقه على ان يكون جزء من هذا العالم لذلك قام بهذه التضحية.
وبالفعل بعد ان فقد ظله تقبله العالم ، وكون الكثير من الصداقات ، ،واصبح قادر على الذهاب إلى اى مكان دون ان يهرب الناس منه ، حتى انه وجد لنفسه حبيبة. لكن فى بعض الأحيان كان يشتاق بشده الى ظله وكان ذلك الأمر يحزنه , ولكنه تعامل مع هذا الامر ببراعه وحزم فقام بتغيير نمط حياته تماما , كان ينام وهو مشعلا كل اضواء غرفته, وكان يتجنب العزله بكل الطرق الممكنه, فكان يذهب الى الحفلات الصاخبه مع اصدقائة رغم كرهه لها, ويسهر معهم فى البارات يتحدث معهم عن اى شئ , وفى عمله كان لا يتوقف عن الثرثه مع اى حد , وكان يحدث صديقته على الهاتف طوال الوقت ,وكان يتجنب المشى ليلا, وكان يعوض ذلك بالنوم لفترات اطول, وكان يتجنب التأمل فى اى شى فهذا يعنى التفكير والتفكير يعنى تذكر الظل, وعندما لا يجد اى طريقه للهروب من وحدته ويضطر لان يكون وحيدا , كان يفكر فى اى شئ وكل شئ معاده ظله كان يفكر فى اصدقائه ,و فى مدى حبهم له , وكان يفكر فى صديقته, ويفكر فى اخر حديث لهم ,وما يكمن وراء كلامها من معانى ,وعندما تنتهى كل هذه الافكار, كان يشغل نفسه بأى نوع من انواع الافكار التافهه, كماذا يأكل ؟,ومتى سيصل الى عمله؟ هل الطريق سيكون مذدحم ام لا ؟, واستمر فى فعل ذلك حتى انه نسى انه كان يوما ما له ظل ونسى حياته القديمه ونسى الجميع ايضا ونجح اخيرا صديقنا فى هدفه , واصبح انسان بلا ظل ,كالجميع ,يشبهم ويشبهونه,
وقتل بنجاح وللأبد شعوره المؤلم بالغرابة

Comments

Popular posts from this blog

ألم

الف شمس